|
|
إثر تصريح اردوغان أن البوسنة والهرسك في رعاية بلاده البلقان يقشعر تحت أنظار تركيا بقلم فيسنا بيريتش زيمونيتش/وكالة إنتر بريس سيرفس
بلغراد, أغسطس (آي بي إس) - في السنوات العشرة التي تلت تفكك يوغوسلافيا، كان من النادر أن يثير بيان لأحد السياسيين
الأجانب جدلا ساخنا في كتلة أوروبا الشرقية.
فمنذ عام 2001، ركزت الدول المستقلة عن يوغوسلافيا السابقة على إعادة بناء إقتصاداتها
من بين أنقاض الصراعات التي طال أمدها في جميع أنحاء المنطقة والتي تبلورت إلى حد
كبير في بطء عملية المصالحة بين الدول المجاورة.
بيد أن تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان أن البوسنة والهرسك هي في
"رعاية" بلاده، أثار الكثير من الجدل في دول البلقان، وبالتحديد في ألبانيا والبوسنة وبلغاريا
وكرواتيا ومقدونيا والجبل الأسود وصربيا.
فقد قال اردوغان خلال إجتماع لرؤساء المقاطعات المنتمين لحزبه (حزب العدالة والتنمية) في
منتصف يوليو في أنقرة، أن "البوسنة والهرسك هي على عاتقنا".
وأشار إلى ما قاله له علي عزت بيغوفيتش، الرئيس الأول للبوسنة والهرسك، عندما زاره
اردوغان وهو على فراش الموت في عام 2003: "لقد همس (بيغوفيتش) في أذني هذه
العبارات: البوسنة (والهرسك) في عهدتكم (تركيا). هما ما تبقى من "الإمبراطورية
العثمانية".
توفي عزت بيغوفيتش، الذي قاد البوسنة في حرب الاستقلال في عام 1992 وأصبح فيما
بعد أول رئيس للبلاد، من مرض القلب في عام 2003، وذهبت معه عبارته لاردوغان.
لكن أقوال اردوغان أثارت موجة عارمة من المعارضة، إزدادت تفاقما علي ضوء واقع أن
البوسنة هي موطن لمجموعة متنوعة للغاية من السكان، تضم مختلف الفئات الإثنية والدينية
بما في ذلك المسلمين البوسنيين، والكاثوليك البوسنيين، والكروات والصرب الأرثوذكس أيضا.
وتشكل الفئتان الأخيرتان أكثر من نصف سكان البوسنة البالغ عددهم أربعة ملايين نسمة.
وبالنسبة لهم، كانت مدة 500 سنة من الحكم التركي العثماني -إنتهت بإنهيار هذه
الإمبراطورية في نهاية الحرب العالمية- فترة من القمع الشديد.
هذا ولقد سارع ساسة البوسنة الصربيين بالتعبير عن غضبهم من بيان اردوغان.
فصرح إيغور رادويتيتيش، المتحدث باسم البرلمان الصربي البوسني، أن "البوسنة والهرسك
ليست أرضا لتكون موروثة"، في حين قال زعيم كروات البوسنة، دراغان كوفيتش، أنه يشك
في أن "عزت بيغوفيتش كان قويا بما يكفي لإعتقاد أن لديه أي بلد يعطيه كعهدة".
وبدوره، قال المؤرخ سلافينكو ترزيتش في بلغراد للجريدة اليومية الصربية الرائدة "بوليتيكا"،
أن تصريح اردوغان يعتبر "تصريحا خطيرا بالنسبة لمنطقة البلقان"، في حين وصف زميله
تشيودمير انتيتش هذه الخطوة بأنها "استفزاز غير مسبوق" ويجب أن تتنصل منها رسميا
البوسنة وكرواتيا وصربيا.
بيد أن تصريحات رئيس الوزراء التركي لم تكن مفاجئة بالنسبة للمحللين والخبراء السياسيين
في المنطقة. فقد قال داركو تاناسكوفيتش، الخبير في الدراسات الشرقية في جامعة بلغراد،
أن "التصريح يمثل واقعا سياسيا محددا: أنها (تركيا) تعتبر منطقة البلقان أولوية في
سياستها الخارجية الطموحة".
وأضاف في حديثه مع وكالة إنتر بريس سيرفس، أن هذا التصريح عن" الإرث" قد يأتي
بنتائج عكسية للمصالح التركية الطويلة الأجل، خاصة وأنه أثار مخاوف البوسنة من العقلية
التوسعية لأنقرة.
ثم أوضح: ومع ذلك، تتميز السياسة التركية الخارجية بدرجة عالية من البراغماتية، يشير
إليها المؤرخون والمحللون بأنها "العثمانية الجديدة". ووصف مثل هذا المذهب السياسي بأنه
مزيج من الإسلام والقومية التركية والإمبريالية العثمانية، في نطاق سياسية خارجية مبنية
علي "الحنين إلى العهد الإمبراطوري".
أما الصحفي المخضرم فويا لاليتش الذي كرس حياته المهنية للتخصص في الشؤون التركية،
فقد قال أن تصريح اردوغان "ليس مصادفة، بل ولم يكن غير متوقعا".
وصرح لوكالة إنتر بريس سيرفس "ان حكومة (حزب العدالة والتنمية) تحاول فرض نفسها
كقوة اقليمية في مناطق الإمبراطورية العثمانية السابقة، ليس فقط في البلقان ولكن أيضا في
الشرق الأوسط والجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي".
لكن نظرة سريعة على تواجد تركيا الاقتصادي في منطقة البلقان تدل على أن هذا الوضع
يتغير الآن.
فبحسب وزارة الاقتصاد التركية، نمت التجارة بين تركيا ودول البلقان من 2.9 مليار دولار
في عام 2000 إلى 18.4 مليار دولار في عام 2011. وفي الوقت نفسه، نما الاستثمار
التركي المباشر في هذه الدول من 30 مليون دولار في 2002 إلي 189 مليونا في عام
2011.
وثقافيا أيضا يتزايد وجود تركيا في البلقان بل وبسرعة. فيقول داركو تاناسكوفيتش، الخبير
في الدراسات الشرقية في جامعة بلغراد، أن "المسلسلات التركية أصبحت مؤخرا أكثر
شعبية من مسلسلات أمريكا الجنوبية".
وشرح لوكالة إنتر بريس سيرفس مشيرا لهذه المسلسلات التركية التي تهيمن علي البرامج
التليفزيونية في المنطقة، أن "هذه الإستراتيجية (التي تسمي بالقوة الناعمة') تخلق صورة
إيجابية عن تركيا".
وكمثال، إلتصق الملاييون بشاشات التلفزيون من فبراير حتى يونيو من هذا العام بمناسبة
عرض أول 55 حلقة من ملحمة سليمان القانوني التي بثت في مختلف دول منطقة البلقان،
حيث إستحوذت روايات هذا الحاكم من القرن السادس عشر على قلوب الآلاف من المواطنين
وعقولهم.
كذلك فقد إفتتحت تركيا أيضا جامعتين في البوسنة: الجامعة الدولية في سراييفو، وجامعة
الداعية التركي فتح الله غولن.(آي بي إس / 2012)
|
|
|
|
|