News in RSS
  03:33 GMT 
Print Send to a friend
تبنيها أمريكا في أفغانستان بتكاليف باهظة: قصة محطة الكهرباء التي قد لا تستخدم أبدا
بقلم براتاب تشاتيرجي*/وكالة انتر بريس سيرفس

واشنطن, فبراير (آي بي إس) - يبرهن مشروع بناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في ضواحي كابول، تبلغ كلفتها نحو ثلاثة أضعاف محطات أخري من نوعها وتسدد من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين، علي أن وكالة المعونة الدولية الأمريكية ومتعاقدوها لم يتعلموا شيئا من الأخطاء المماثلة التي إرتكبوها في العراق.

فقد خلصت ثلاثة تحقيقات مستقلة في مشروعات إعادة بناء قطاع الكهرباء الأفغاني بتمويل من الولايات المتحدة، مضافة إليها سلسلة من اتحقيقات والمقابلات التي أجرتها وكالة انتر بريس سيرفس "آي.بي.اس" مع مسئولين في الحكومة الأفغانية وفي الشركات المتعاقدة، خلصت إلي أن محطة توليد الطاقة الكهربائية هذه ربما لا تستخدم أبدا.

فأولا، تجاهل المخططون الأمريكيون مشروعات إعادة تعمير أخري يجري العمل فيها وذات تكاليف أقل وإمكانيات نجاح أكبر، ولم يلتفتوا إلي توصيات المسئولين الحكوميين الأفغان في هذا الشأن.

وثانيا، قرر هؤلاء المخططون الإستعانة بتكنولوجيات باهظة التكاليف غالبا ما ستعجز كابول عن صيانها أو حتي إستخدامها.

وثالثا، أصرت وكالة المعونة الدولية الأمريكية علي بناء محطة توليد الطاقة الكهربائية هذه في وقت قياسي ومن خلال نظام تعاقد معقد مع شركات متعددة، ما أدي إلي إرتفاع التكاليف بصورة مذهلة.

بداية القصة:

إتفقت وكالة المعونة الدولية الأمريكية مع الحكومة الأفغانية في مايو 2007 علي بناء محطة توليد طاقة كهربائية بإستخدام وقود الديزل وبقدرة 105ميغاوات في تاراخيل، علي مسافة كيلومترين من مطار كابول. ورسا العطاء علي شركتي البناء Louis Berger من نيو جيرسي و Black & Veatch من كانساس.

وضمنت الصفقة إحتساب كمية الأرباح علي أساس إجمالي الأموال التي تنفق علي إستكمال المشروع.

وهنا تعاقدت شركة Black & Veatch من الباطن، وبسعر ثابت، مع شركة Symbion Power من واشنطن التي نفذت ستة مشروعات بسعر ثابت لحساب الإدارة الأمريكية في الأعوام الأربعة الأخيرة في بعض المناطق الأكثر توترا في العراق.

لكن شركة Symbion Power تعاقدت بدورها مع بضعة شركات في كابول منها AB Managers و Afghan Electrical Power Corporation وذلك لتوريد أيدي عاملة محلية.

التعجيل بالتنفيذ والمزيد من التكاليف:

ثم ظهرت المشكلة الأكبر عندما قررت وكالة المعونة الدولية الأمريكية إستكمال المشروع قبل الإنتخابات الأفغانية في عام 2009. فتعاقدت شركة Black & Veatch علي إنتاج الآت "كاتيربيلار" مصممة خصيصا في ألمانيا، بأسعار باهظة، نقلت جوا إلي كابول.

تكاليف باهظة ومتعاظمة:

من الجدير بالذكر أن تكاليف بناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية بإستخدام وقود الديزل في الشرق الأوسط وآسيا، عادة ما تبلغ نحو مليون دولار أو أقل لكل ميغاوات.

وكمثال، توشك شركة Wartsila الفنلندية علي إستكمال مشروع محطة لتوليد الطاقة الكهربائية بقدرة 200 ميغاوات في باكستان، بكلفة 180 مليون دولار. وللمقارنة، يذٌكر بأن قدرة المحطة الأفغانية هي 105 ميغاوات.

وهناك ما هو أكثر من ذلك، إذ يؤكد بعض الخبراء أنه يمكن خفض التكلفة. فصرح عبد الغفار، المهندس الأفغاني الذي يملك شركة لبناء محطات توليد الكهرباء في دبي، "لقد بنت (شركتي) محطة بقدرة 22 ميغاوات في قندهار (في 2008) مقابل مجرد 550,000 دولار لكل ميغاوات".

وفي حالة المحطة الأفغانية، كان السعر المقدر لتوربينات المسار السريع وتشعبات المتعاقدين المتعددين هو 259 مليون دولار، أي مرتين ونصف مرة أعلي من محطات مماثلة. لكن المشروع واجه مراحل متتابعة من التأخير في التنفيذ.

فقد إستغرقت شركة Black & Veatch أكثر من عام كامل للتوقيع علي عقودها الباطنية مع شركة Symbion لبناء المحطة. وبمجرد إنهاء عملية التوقيع في 13 يونيو 2008، بدأت هذه الأخيرة في البحث عن أيادي عاملة أفغانية، ما إستغرق ثلاثة أشهر إضافية.

خداع في الحسابات ووقف العمل:

وبعد مرور تسعة أشهر علي هذه المرحلة الأخيرة، تم تنفيذ فقط 60 في المائة من المشروع. في هذه المرحلة، بدت الكلفة المقررة غير واقعية، لترتفع إلي ما يزيد عن 300 مليون دولار.

لكن شركة Symbion توقفت عن العمل في 19 مايو 2009 لأن شركة Black & Veatch لم تسدد لها إستحقاقاتها طيلة أربعة أشهر.

وهنا كشفت مراجعة حسابية أجرتها وكالة المعونة الدولية الأمريكية ونشرت في نوفمبر 2009، أن شركة Black & Veatch “حاسبت الوكالة علي التكاليف التي لم تسددها إلي الشركة المتعاقدة من الباطن" أي شركة Symbion.

فأحتكمت الشركتان إلي القضاء، ورفض المسئولون فيهما طلب وكالة آي.بي.اس الحديث معهم حتي تستكمل الإجراءات القانونية، وإن كانت موقف شركة Black & Veatch الرسمي هو أن عقدها مع شركة Symbion لا يجيز للأخيرة التوقف عن العمل.

المحطة غير ضرورية:

هذا ومن المتوقع أن ينتهي العمل في المشزوع في ربيع العام الجاري. لكن الكهرباء التي سيولدها لم تعد ضرورية أو عاجلة. فقد أستكمل منذ عام مشروع بناء خط لإمدادات الكهرباء بطاقة 300 ميغاوات، من أوزبكستان إلي كابول، وبتمويل من البنك الدولي وألمانيا والهند.

وبلغت كلفة مشروع مد هذا الخط مجرد 35 مليون دولار، ويتوقع أن تقتصر كلفة التشغيل علي مجرد 6 سنتا من الدولار للكيلوات/الساعة، مقارنة ب 22 سنتا في حالة هذه المحطة المشغلة بوقود الديزل.

ولم يطلبها أحد:

من الجدير بالذكر أيضا أنه كان يمكن تفادي كل هذه الأخطاء. فقد صرح المسئولون الأفغان أنهم لم يطلبوا هذه المحطة أبدا.

وعرض جمعه نوانديش، نائب وزير الطاقة والمياه الأفغاني الأسبق الذي كان مسئولا عن قطاع الكهرباء طيلة أربع سنوات، عرض في مكتبه وسط كابول، سلسلة من الشرائح والدراسات الهندسية لحقول الغاز في شيربغان، شمال أفغانستان، التي سبق وأن عمل فيها.

وقال "نصحت وكالة المعونة الدولية الأمريكية بإنفاق أموالها هنا" في هذه الحقول. “فلو كانت أعادت تشغيل آبار الغاز وتعاقدت مع مهندسين محليين، لكنا قد إدخرنا كميات طائلة من المال".

كما أن المفتش العام لإعادة بناء العراق أصدر من مارس 2007، أي قبل شهرين من توقيع وكالة المعونة الدولية الأمريكية علي مشروع بناء المحطة مع الحكومة الأفغانية، أصدر تقريره النهائي عن إدارة البرامج والمشروعات خلال مهمة إعادة بناء العراق بقيادة الولايات المتحدة، أشار فيه بالتحديد إلي مخاطر سوء التخطيط والإشراف والمتابعة.

الأخطاء تتكرر:

فالبفعل، عاب المفتش العام لإعادة بناء العراق المخططين الحكوميين الأمريكيين وشركات متعاقدة وبالتحديد Black & Veatch علي تزويد توربينات لمنشأة غاز في القداس بالقرب من بغداد، إتضح أنها غير ملائمة للتشغيل بالوقود المتاح في العراق، وكذلك علي فشلها في توفير التدريب والصيانة اللازمين لتشغيلها.

ومن ثم، فمن دواعي السخرية أن يكون تقريرا عن محطة الطاقة الكهربائية في تاراخيل، أصدره المفتش العام لإعادة بناء أفغانستان في 20 يناير 2010، أي بعد أربع سنوات من التحقيق في برامج إعادة بناء العراق، أن يكون قد شككك في صلاحية بناء محطة تشغل بالديزل والوقود الثقيل وبإستخدام "نظام وقود معقد تقنيا، قد يعجزوا (الأفغان) عن صيانته".

أضف إلي ذلك ما جاء في تقرير ثاني للمفتش العام لإعادة بناء أفغانستان بأن قطاع الكهرباء الأفغاني بأكمله يواجه الآن من المزيد من نقص التخطيط لإجمالي 732 مليون دولار سلمتها الولايات المتحدة للحكومة الأفغانية حتي الآن.

فما كان من رئيس مكتب المفتش العام لإعادة بناء أفغانستان، الجنرال البحري المتقاعد ارنولد فيلدز، إلا أن قال "من المزعج أننا شاركنا في إعادة بناء أفغانستان طيلة ثمان سنوات، ومع ذلك لا توجد خطة أساسية مدروسة يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي المساهمة فيها وقياس نجاحها".

وأخيرا، أفاد تقرير المفتش العام التابع لوكالة المعونة الدولية الأمريكية أيضا عن فشل مشروعين كبيرين آخرين للوكالة في قطاع الطاقة في أفغانستان. *براتاب تشاتيرجي، محرر في CorpWatch. هذا التقرير نشر بالإتفاق مع CorpWatch.(آي بي إس / 2010)